محمد المقداد الورتتاني

139

البرنس في باريس

عرجنا عنها شرقا بعد فيزيل وهي تبعد عن كرونوبل بنحو أميال 11 - وكانت حماماتها معروفة عند الرومان ومنتفعا بها مثل حمامات قبرص ، ويوجد بها بعض الآثار من القرون الخالية العامرة بمعارف الانتفاع من الدنيا في أدوار السذاجة البشرية والإلهامات إلى التجارب الطبية . ولا زالت تلك الآثار محفوظة في قصر هناك على ما ذكروا . تتصل بهاته الحمة سكة الطرمفاي الكهربائي وبها لوازم الإقامة من الأتيلات ومحلات التمثيل والمطاعم والحفظ بالبوليس ووسايل المواصلة والمخابرة . جاءت في وهاد بين سلاسل الرّبى المغشاة بالأشجار ، فكانت أدواحا للأطيار ، وظلالا وشفاء لبني الإنسان . وزادتها حسنا الطرقات المنظمة التي يتفيؤ السافرون ظلالها في مراتع الأنس وحسن المناظر وطيب الهواء والأمن والانتفاع بالحمامات المعدنية . دخلنا إلى بناء العين الحمة فوجدن به امرأة تسقي الوافدين أعطاها صاحبنا بعض المسكوكات ، وسألت عني لغرابة اللباس وقالت لعلك تونسي فاستفسرتها عن اهتدائها لذلك فبينت لي أن أختها متزوجة بمسلم تونسي مستخدم بالسفارة الفرنساوية بتونس ، وأثنت على التونسيين وجميل معاملتهم للأوروباويين وحسن معاشرتهم لزوجاتهم ، فزادني سرورا ذكرها لوطني وأبنائه بعبارات الثناء في تراب الحرية ، والاصداع بما في الضمير . وازداد عجبا سامعوها من بعض عائلات كرونوبل الذين كانوا معي لأن الكثير من أهالي أروبا لا يعلمون معنى الحياة الاجتماعية للتونسي إلّا في صورة مشوهة ، ولربما تخيله بعضهم كسكان أواسط الصحراء الكبرى على شكل السودان وعوائدهم وانحطاط إدراكهم . لذلك يظهر أن من أهم ما يرفع به اللبس ويماط به الغطاء سفر التونسيين إلى فرنسا . حدث الأستاذ الشيخ سيدي سالم بوحاجب في أنباء رحلته إلى إيطاليا التي أقام بها ما يزيد عن خمسة أعوام وحفظ لغة القوم ، وذلك منذ نيف وأربعين سنة ، أنه لما سئل عن سبب المنع من تزوج المسيحي بالمسلمة وإباحة تزوج المسلم بالكتابية ، أجاب بأن المسلمين يعتقدون نبوة عيسى عليه السلام ويحترمونه فلا تلحق الكتابية إهانة في دينها من زوجها ، بخلاف المسيحيين فلا يرون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا مانع من التحام المرأة بزوجها في سبيل المعاشرة ، ومن أقوى أسباب الشقاق . ومياه أرياج نوعان منها الملح المسهل والعذب للشرب ، وفي بعض العيون الحديد